حيدر حب الله

130

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

حصول ارتداد علني في مكّة المكرّمة ، وأنّى لنا بإثبات هذا ؟ ! بل المعطيات قائمة على عكسه . والذي يظهر لي أنّ إثبات ظاهرة النفاق في العصر المكّي على مستوى الآيات القرآنيّة يبدو عسيراً ، ولا يصحّ بمثل ذلك الحديث عن منافقين في هذا العصر ، وإن كان نفي ذلك نفياً جازماً يحتاج لدليل أيضاً . بل إنّني اعتقد بأنّ فرضيّة وجود المنافق في العصر المكّي ، خاصّةً في أوائله ، تبدو أمراً صعباً من حيث منطق الأشياء تاريخيّاً ، فما هي الفائدة التي سيرجوها مثل هذا الشخص ؟ وهل سيجني غير المتاعب والمصاعب ؟ ومن أين له أن يعرف أنّ محمّداً هذا سوف ينتصر بعد حين لكي يكسب من انتصاراته المكاسب ؟ إنّه لابدّ من افتراض شخص عارف بحقّية محمّد وأنّه عرف بذلك من خلال أهل الكتاب مثلًا أو غير ذلك واطّلع على مآلات دعوته ، ثم دخل ضامناً أنّه لن تلحقه مشاكل من وراء ذلك ، ولن يموت في ظلّ حركة محمّدية فيها الكثير من العذابات والتضحيات . . إنّ هذه الفرضيّات تحتاج للكثير لإثباتها تاريخيّاً ، بعيداً عن أيديولوجيّات الفرضيات المحضة . نعم ، النفاق بمعنى الانقطاع وذهاب الشيء بعد وجوده ، كما في قولك : نفقت الغنم ، أو نفقت السلع في الأسواق ، ومنه سمّيت النفقة بهذا الاسم ، يمكن تصوّره في الارتداد ، ويتماهى معه ، فهذا المعنى للنفاق معقول في مكّة متطابق مع الارتداد ، غير أنّه لا ينفع المستدلَّ بشيء هنا ؛ إذ مراده وغايتُه هي النفاق بالمعنى اللغويّ الثاني ، وهو إخفاء الشيء وإغماضه ، كما هو معروف ، ومنه سُمّي النَفَقُ في الأرض نَفَقَاً ، وهذا لا يستفاد من خلال آيات الارتداد . د - هل كان المنافقون مكشوفين للنبيّ ؟ النفاق بين العلنيّة والسريّة الكلمة الرابعة : هل كانت ظاهرة النفاق مكشوفة تماماً للنبيّ صلى الله عليه وآله والخُلّص من أصحابه أو لا ؟ وهل كان بعضُ المهاجرين والأنصار من المنافقين ؟